القرطبي
282
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الثانية - قال بعض أهل التأويل : الآية فيها تقديم وتأخير ، والمعنى ( والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون ) إلى ما كانوا عليه من الجماع ( فتحرير رقبة ) لما قالوا ، أي فعليهم تحرير رقبة من أجل ما قالوا ، فالجار في قوله : ( لما قالوا ) متعلق بالمحذوف الذي هو خبر الابتداء وهو عليهم ، قال الأخفش . وقال الزجاج : المعنى ثم يعودون إلى إرادة الجماع من أجل ما قالوا . وقيل : المعنى الذين كانوا يظهرون من نسائهم في الجاهلية ، ثم يعودون لما كانوا قالوه في الجاهلية في الاسلام فكفارة من عاد أن يحرر رقبة . الفراء : اللام بمعنى عن والمعنى ثم يرجعون عما قالوا ويريدون الوطئ . وقال الأخفش : لما قالوا وإلى ما قالوا واحد ، واللام وإلى يتعاقبان ، قال : ( الحمد لله الذي ( 1 ) هدانا لهذا ) وقال : ( فاهدوهم إلى صراط ( 2 ) الجحيم ) وقال : ( بأن ربك أوحى ( 3 ) لها ) وقال : ( وأوحي إلى نوح ( 4 ) ) . الثالثة - قوله تعالى : ( فتحرير رقبة ) أي فعليه إعتاق رقبة ، يقال : حررته أي جعلته حرا . ثم هذه الرقبة يجب أن تكون كاملة سليمة من كل عيب ، من كمالها إسلامها عند مالك والشافعي ، كالرقبة في كفارة القتل . وعند أبي حنيفة وأصحابه تجزي الكافرة ومن فيها شائبة ( 5 ) رق كالمكاتبة وغيرها . الرابعة - فإن أعتق نصفي عبدين فلا يجزيه عندنا ولا عند أبي حنيفة . وقال الشافعي يجزئ ، لان نصف العبدين في معنى العبد الواحد ، ولأن الكفارة بالعتق طريقها المال فجاز أن يدخلها التبعيض والتجزئ كالاطعام ، ودليلنا قوله تعالى : ( فتحرير رقبة ) وهذا الاسم عبارة عن شخص واحد ، وبعض الرقبة ليس برقبة ، وليس ذلك مما يدخله التلفيق ، لان العبادة المتعلقة بالرقبة لا يقوم النصف من رقبتين مقامها ، أصله إذا أشترك رجلان في أضحيتين ، ولأنه لو أمر رجلين أن يحجا عنه حجة لم يجز أن يحج عنه واحد منهما نصفها كذلك هذا ، ولأنه لو أوصى بأن تشترى رقبة فتعتق عنه لم يجز أن يعتق عنه نصف عبدين ، كذلك في مسألتنا وبهذا يبطل دليلهم . والاطعام وغيره لا يتجزى في الكفارة عندنا .
--> ( 1 ) راجع ج 7 ص 208 ( 2 ) راجع ج 15 ص 83 ( 3 ) راجع ج 20 ص 149 ( 4 ) راجع ج 9 ص 29 ( 5 ) في ح ، ز ، س ، ط ، ل : ( شعبة رق ) والمعنى واحد .